ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

523

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فإن قيل ورد في الحديث : « إن يوم القيامة ما تقوم إلا على شرار الناس » « 1 » وأنت نزلتهم منزلة الخيار ، قلنا : صدقت ، ولكن فاتك نظر آخر وما أدراك أن شرار بنسبة خيار بنسبة أخرى ، كما أشار إليه الحديث الشريف : « شرار قريش خيار شرار الناس « 2 » » . ذكره في جمع الجوامع . فأثبت لهم الخير حيث أثبت لهم الشر ، فهم شرار الناس بالنسبة إلى العلماء باللّه العقلاء ، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقرّبين . سئل أبو السعود بن الشبل قدّس سرّه عن العقلاء المجانين فقال : ملاح لكن العقلاء أملح ، مع أنه ورد في الخبر : « خير أمتي أولها وآخرها وفي وسطها الكدر » « 3 » رواه الحكيم عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه ، ذكره في جمع الجوامع . ولا شك أنهم من أمته أو يقول : إنهم شرار الناس الذين لا يتفكّرون في ذات اللّه ، فإنه ورد في الخبر : « خير الناس المتفكّرون في ذات اللّه » « 4 » رواه أبو الشيخ عن نهشل ابن الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ذكره في جمع الجوامع ؛ وذلك لأن التفكّر فرع العقل ، ولا عقل لهم كما عرفته . ( لا يحلّلون حلالا ولا يحرّمون حراما ) / ، قال تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] ، ولكن سلطان الشهود أذهلهم ، وأذهب بعقولهم ، فذهبوا في الذاهبين ، وبالرجوع إلى العرفان لا بذهاب الأعيان ، فهاموا ولم يتميزوا ، كالبهائم سقط عنهم التكليف ؛ إذ ليس لهم عقول يعقلون بها ، ولا أبصار يبصرون بها ، تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ، لا يتعارفون لليل صباحا ، ولا لنهار مسائهم أدلة الشبهات والآيات المتشابهات ، يسمونهم العقلاء المجانين ، عقولهم محبوسة عند حضرة قدسه ، كفّه في شهود أنسه .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه الشافعي في مسنده ( 1 / 279 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 156 ) . ( 3 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 2 / 92 ) . ( 4 ) تقدم نحوه .